gototopgototop
Get Adobe Flash player
شارك على الفيس بوك
عدد المشاهدات: 9807

Ramy Nair Rozfyطلب مني أحد اجتماعات كنيستي أن أتحدث عن العلاقة بين المسيحيين وجيرانهم المسلمين. وخاصة بعد أحداث الفتن الطائفية الكثيرة والتي ساهمت في إزكاء الخلافات بين المسيحيين والمسلمين في أماكن مختلفة بمصر بصورة عامة وفي المنيا على الأخص. وباعتباري قسيس فكرت سريعًا في تقديم نموذج كتابي للعلاقة بين شخصين أو جماعتين. ولأني مشيخي فكرت أن يكون أحد الطرفين هو يسوع المسيح الذي هو محور فهمنا لله. وهنا وجدت أمامي العديد من نماذج الحوار بين يسوع وأشخاص أو جماعات. فهناك على سبيل المثال لا الحصر حوارات يسوع مع السامريين والفريسيين والصدوقيين. وعندما حاولت التركيز على النموذج الأول من الحوارات وهو نموذج الحوار بين يسوع والسامريين وجدته جليًا في ثلاث: الحوار مع المرأة السامرية (يوحنا 4: 4-30)، مثل السامري الصالح (لوقا 10: 29-37)، السامري الذي شكر على الشفاء من البرص (لوقا 17: 11-18). وفي النهاية قررت أن أدرس حوار يسوع مع المرأة السامرية لما فيه من تشابه كبير مع ما هو موجود بين المسيحيين والمسلمين من متناقضات وعداوة موروثة، وما ينبغي أن يكون بينهما من اندماج وتكامل ضروري.

أولا- متناقضات وعداوة موروثة

فبالرغم من أن يسوع والمرأة السامرية يتشابهان فيما بينهم في العديد من الأمور كأنواع الطعام والشراب التي يتناولونها (يوحنا 4: 7-8)، والآمال والطموحات التي يريدانها (20، 24-26)؛ إلا أنهما كانا مختلفين على مستويات أخرى كثيرة. فنستطيع أن نرصد اختلافات وخلافات متنوعة ومتشعبة بينهما. فهما على الأقل مختلفين من جهة الديانة، والنوع، والأخلاق، والطباع.

فقد ورث يسوع والمرأة الاختلاف في الدين؛ بالرغم من أنهما من ذات الجنس اليهودي. فنجد يسوع يهودياً يتعبد في هيكل أورشليم؛ بينما المرأة سامرية تمزج الديانة اليهودية بالوثنية وتتعبد في هيكل جرزيم (يوحنا 4: 20). ولم يكن كلاهما السبب في هذا؛ بل كلاهما ورثا هذا من الأجداد. ففي الغالب كان كل من يولد يهودي يعيش يهوديًا، ومن ولد سامري سيظل سامريًا. وهذا الاختلاف في الدين أنشأ خلافات في التعامل بين اليهود والسامريين. فقد كان اليهود على سبيل المثال ينظرون للسامرين على أنهم نجسون كالخنازير، وليس لهم الحق في قيامة الأموات. ونستطيع أن نستدل على مدى درجة العداء من أمرين: أولهما، أن المعلمين اليهود كانوا يوصون بعدم دخول أي قرية سامرية. وكانوا يوصون المسافرين من اليهودية إلى الجليل بالسير في طريق بيرية وهو طريق أطول يدور حول السامرة. وثانيهما، أن نعت شخص يهودي بأنه سامري يعتبر بمثابة سب بمعني أن الشخص نجس (راجع، يوحنا 8: 48).

كانا أيضا مختلفين في النوع، فيسوع رجل؛ في حين أنها امرأة. وكانت العادات والتقاليد في هذا الوقت ترفع الرجل إلى قمة الهرم الاجتماعي؛ في حين أن المرأة كانت توضع في أسفل الهرم. والاختلاف فيما بينهما لم يقف عند هذا الحد بل كانا أيضا مختلفين في الأخلاق. فمن المعروف عن يسوع أنه البار «الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ» (بطرس الأولى 2: 22). في حين أن المرأة كانت تعيش في مجتمع يبتعد كل البعد عن الله. وكانت هي أشهر خطاة هذه البلدة إذ أنها كانت تعيش في زنى مع رجل هو السادس في حياتها.

ولم يكن هذا الاختلاف هو الأخير؛ بل أنهما كانا مختلفين أيضا في الطباع. فقد كان يسوع في حواره معها هادئاً، ومتسامحاً. بينما كانت المرأة عنيفة ومتعصبة في الحوار. فعندما طلب منها يسوع ماء ليشرب أجابته بعنف قائله: «كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ؟» وعندما عرض يسوع عليها الماء الحي انتقدته بشده قائله: «لاَ دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ؟ أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ؟»

بنفس المنطق نجد العديد من الاختلافات بين المسيحيين والمسلمين في مصر بالرغم من أنهما من جنس واحد. فهناك اختلاف في الدين على الأقل في ثلاثة أمور رئيسة وهي: ألوهيه المسيح، وحقيقة صلبه، ومفهوم الوحي. وهناك اختلافات في بعض الأحيان في القيم والأخلاق والطباع وأغلب هذه الاختلافات موروثة من الأجداد. وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الاختلافات كفيله في هدم أي محاولة للحوار. لكن هذا غير حقيقي، إذ أنه من الضروري أن نتعايش ونندمج.

ثانيا- ضرورة الاندماج والتكامل 

عندما أقترب يسوع من مدينة سوخار السامرية كان متعبا ويحتاج للراحة، وجائعا ويحتاج للطعام، وعطشاناً ويحتاج للماء. لذا جلس على بئر يعقوب ليستريح، وأرسل تلاميذه ليبتاعوا طعامًا، منتظرًا أن يأتي أحد السامريين ليسقيه. وعندما جاءت المرأة السامرية بادر يسوع بسؤالها لتعطيه ماءًا ليشرب. وفي المقابل كانت المرأة متعبه من الإثم وتحتاج للماء الحي وكانت أميه في الديانة ومحتاجة للتعليم. ولم يبادر يسوع في طلب الراحة والطعام والماء فقط؛ بل قد بادر أيضًا بعرض الماء الحي والتعليم على المرأة لأنها لم تكن تدرك في البداية أنها تحتاج لهذه الأشياء. وفي هذه اللحظة كانا عليهما أن يتبادلا ما لديهما من ممتلكات وبهذا يتكاملا. فعلى المرأة أن تعطي يسوع جرتها لتسقيه هو وتلاميذه بعد أن كانت ترفض أن تسقي يسوع بمفرده (يوحنا 4: 28) وفي المقابل كان على يسوع أن يعطيها الماء الحي والبشارة (10-26).

في هذا السياق نستطيع تلخيص ما ينبغي أن تكون عليه العلاقات المسيحية الإسلامية في أمرين. الأمر الأول هو أنه لابد وأن نفهم أننا نحتاج لأن نتبادل ما لدينا مع من بجوارنا والعكس صحيح. وهذا التبادل التكاملي يكون على عدة مستويات قد تكون متدرجة أو متوازية. فالمستوى الأول بين يسوع والمرأة السامرية كان يمس الاحتياجات المادية التي لا يمكن الاستغناء عنها (يوحنا 4: 4-9)، وأنتقل بعد ذلك للاحتياجات الأخلاقية (10-18)، ليصل في النهاية لتغطية الاحتياجات الروحية (19-26).

والأمر الثاني في الحوار المسيحي الإسلامي هو ضرورة العبور من الانعزال للتعايش ومن التعايش للاندماج. وكلنا يعلم أن الانعزال يعني القطيعة التامة بين الفريقين؛ أما التعايش فيعني التواصل مع وجود حدود وفواصل منيعة بين الطرفين؛ في حين أن الاندماج يعني التواصل والحوار بصورة فعالة. والحقيقة أننا كمسيحيين مصريين لا نملك سوى أن نختار الاندماج وذلك لسببين وهما: رسالتنا الدينية وطبيعة مصر الجغرافية.

فرسالتنا الدينية تبدأ من كوننا نور وملح لهذا العالم (متى 5: 13-16)، وبالأولى مصر. والمعروف عن النور أنه يصبح بلا قيمة حين ينعزل ويضع بينه وبين الظلام حواجز مدعيًا أنه يحافظ على نفسه بهذا الانعزال. وأقول أن الملح لم يدع ليتعايش مع هذا العالم؛ بل لأن يندمج فيه مؤثرًا وفعالاً. أما من الناحية الجغرافية لمصر فنرى أن المسيحيين يعيشون بجوار المسلمين في كل أرجاء البلاد: في المنازل والمدارس والوظائف. وبالتالي فلا يمكنا الفصل بينهما في الحالة المصرية. فنحن نقول أن المسيحيين والمسلمين في مصر هم نسيج الوطن لأنهما متداخلان في كل شيء ومرتبطان بتفاعل في كل مكان.

وفي النهاية، إن كان جارك يختلف عنك في الدين والطباع والأخلاق فأنت ملزم أن تندمج معه بدافع القيم الدينية ووحدة الوطن. ولا أقول أن تحقيق الاندماج بين الأقطاب المختلفة في مصر سيكون أمراً سهلا. فسوف يتعرض من يحاولون تحقيق هذا لانتقادات كثيرة ومتنوعة. وهذا ما قد سبق وحدث مع يسوع حين حاول الأندماج مع المرأة السامرية، فقد تعرض لنقد من تلاميذه ومن المرأة السامرية.