gototopgototop
Get Adobe Flash player
شارك على الفيس بوك
عدد المشاهدات: 321

Emad-Eshakهناك أَسئلةٌ كثيرةٌ مُثارة في عالَمنا اليوم عن معنى التَّاريخ. ولاسيّما أَنَّ هذه الأَسئلة قد زادت بعد الحربين العالميّتين، والعالَم يصرخ لكي يجد إِجابةً عن معنى التّاريخ.

- قال اللّاهوتيّ: “Hendrikusberkhof “
«إِنَّ جيلنا يُعاني من الخوف. النّاس والمُستقبل يعملان ضدّ إِرادتنا ورغباتنا، ومن هنا تأْتي الصّرخة عن معنى وجودِنا وهدفنا.

إِنَّها صرخة للإِجابة عن السّؤال القديم عن معنى التّاريخ».
- يقول “Benkhof”: على الكنيسة أَيضًا أَن تعرف الإِجابة عن هذا السّؤال، وبالرّغم من أَنَّ الكتاب المقدّس يعطي لنا إِجابةً عن هذا السُّؤال، نجد أَنَّ الكنيسة بالكاد تُلاحظ ما يقدّمهُ الكتاب المقدّس من إِجابةٍ على هذا السّؤال، والكثير من مسيحيي اليوم يفشلون في العيش تحت نور التّفسير المسيحيّ للتّاريخ.
- يقول “Benkhof”: لقد فشلت الكنيسة في القرن العشرين في فَهْمِ المُتغيّرات الحادثة، وذلك لأَنَّها لم تقرأ التّاريخ من منظورٍ مسيحيّ، ولهذا السّبب فهي تُفكّر في الأَحداث من حولها من خلال مُصطلحات علمانيّة (عالميّة)  Secular terms لذا يجب علينا أَنْ نُجيب على هذا السُّؤال من وجهة نظرٍ كتابيّة إِسخاتُولوجيّة. وقبل أَن نستعرض المفهوم الكتابيّ عن التّاريخ. نستعرض وجهتيْنِ نظر في تفسير التّاريخ.
+ وجهةُ النَّظر الأُولى: (التَّاريخ دائريٌّ Cyclical) كانت منتشرةً في الفكر اليُونانيّ القديم، وهي تفسير التّاريخ من منظورٍ دائريّ. فالأَشياء الَّتي تحدث ليس لها نهاية، حيث أَنَّها تتكرّر في دوائرٍ بلا توقف، فالَّذي يحدث اليوم يحدث غدًا. لكن تفسير التّاريخ بهذا المنظور لا يُعطي معنًى حقيقيًّا للتَّاريخ، فرُبَّما يعيش الإِنسان لأَجل تحقيق أَهداف شخصيّة لحياتهِ، وذلك لأَنَّ التَّاريخ يُكرّر نفسه. ويُقدّم لنا “John marsh” تحليلًا لمفهوم معنى التّاريخ عند اليونان، فيقول: «من مُنطلق معرفتهم الطّبيعيّة بالكون فأَنَّه من المُستحيل أَنْ يُطوّر اليونانيّون أَيَّ شيءٍ أَكثر من مفهومهم الدّائريّ عن التّاريخ. حيث أَنَّ العصر الأَعظم للعالَم سوف يبدأ مرّةً أُخرى، إِنَّ الأَحداث سوف تتكرّر ثانيةً، ولو أَنَّ هذا الرّأْي صحيحٌ سيكون التّاريخ فَقَدَ معناهُ حيث ما أَفعله الآن سبقتُ فَعَلتهُ أَمس وسوف أَفعلهُ في المُستقبل، ومن هُنا سيختفي مفهوم المسئوليّة والقُدرة على اتِّخاذِ قرارات، وبالتَّالي لا يوجد معنى حقيقيّ للتّاريخ، إِنْ أَحداث التّاريخ سوف تتكرّر من وقتٍ إِلى آخر. فاليُونانيّون لم يُدركوا أَنَّ التَّاريخ نفسهُ يقود إِلى هدفٍ. ونظرة اليونان للتّاريخ مناقضةٌ لوجهةِ النّظر المسيحيّة للتّاريخ، والّتي ترى أَنَّ التّاريخ هو اكتمالٌ لقصد الله، ويتحرّك إِلى هدفهِ.
+ وجهةُ النَّظر الثّانية: التّاريخ يسير في أَحداثٍ مُتتاليةٍ بلا معنى:
نادى بوجهة النّظر هذه الوجوديّون المُلحِدون (Atheistic existentialist) وهؤلاء قالوا إِنَّ التّاريخ هو بلا معنى، حيث لا توجد أَحداثٌ واضحةٌ فيهِ، لا يسير في اتجاهِ هدفٍ، فهو أَحداث بلا معنى، وأَنَّ الإِنسان يستطيع أَن يصنع قراراتهُ بنفسهِ، لكنّ التّاريخ ككُلٍّ هو بلا معنى؛ ولذا وجهة النّظر الوجوديّة للتّاريخ مناقضةٌ لوجهة النّظر المسيحيّة للتّاريخ. فالوجوديّة تنادي بأَهمِّيَّة الفرد في صُنعِ قرارهِ، المسيحيّة ترى معنًى للتّاريخ، فالله يُعْلِنُ قصدهُ في التّاريخ. فالأَشخاص يُمكنهم أَنْ يتمرّدوا على الله وخطّتهِ، والآخرون يمكنهم أَن يفعلوا إِرادتهُ ويعيشون في دائرة ملكوتهِ، في جميع الحالات الله يبقى هو المُهيمن.
* السُّؤال الهامّ: ما هي سمات التّفسير المسيحيّ للتّاريخ؟
- تُوجد خمس سِمات للتّفسير المسيحيّ للتّاريخ:
1- السِّمة الأُولى: التّاريخ هو إِعلانٌ لقصد الله:
الله يُظْهِرُ قصدهُ في التّاريخ، وهذا ما يُسمّى (بالتّاريخ المُقدّس) (Holy history) أَو»التّاريخ السِّريّ»
(Sacred history) وقُصِدَ بالتّاريخ المقدّس «التّاريخ الفدائيّ» (Redemptive history).
فالله قد أَنجز الفداء لشعبهِ من  خلال يسوع المسيح، هذا الفداء لهُ خلفيّة وجذور في العهد القديم، وذلك من خلال الوعود والرّموز والطّقوس، وكُلُّ هذه الأَشياء قد اكتملت في حياةِ وموتِ وقيامة المسيح يسوع إِلى أَنْ نصل إِلى السَّماء الجديدة والأَرض الجديدة في المستقبل، ومن خلال ذلك نقول إِنَّ الفداء لَهُ بُعْدٌ تاريخيّ  “Historical dimension”فهو يشمل تاريخ البشريّة، تاريخ الكنيسة الأُولى (البدايات). هذه التّواريخ هي إِعلانُ الله وكشفُ قصدهِ الفدائيّ للإِنسانيّة، فحوارات هذا التّاريخ المقدس قد أَعلنها اللهُ قبل أَن تكتمل كتابة الكتاب المقدّس. فالله أَعلن نفسهُ أَوّلًا من خلال حوادث تاريخيّة مثل الخروج، عبور الأُردنّ، العودة من السّبي، ميلاد يسوع المسيح، أَيضًا من خلال حُلول الرّوح الْقُدُس، وأَعلن الله نفسهُ ثانيةً من خلال الكتاب المُقدّس الَّذي هو كلمتهُ. ولا يفوتنا أَن نذكر أَنَّ إِعلان الله عن نفسهِ من خلال الحوادث التّاريخيّة، والتي سُجِّلَتْ في الكتاب المُقدّس؛ لهذا يشمل الإِعلان أَفعال وكلمات.
2- السِّمة الثّانية: الله هو سَيِّدُ التَّاريخ:
السِّمة الثّانية للتّفسير المسيحيّ للتّاريخ واضحةٌ جدًّا في كلمة الله، فكُتَّابُ العهد القديم أَكّدوا على هذه الحقيقة بأَنَّ ملكوت الله يسود على الكُلِّ (مَزْ103: 19)، وَأَنَّ ملكوت الله يسود على ممالك البشر (2أَخ20: 6) فقلوبُ الْمُلوكِ فِي يدهِ يُميلُها حَيْثُ يَشاء (أَم21: 1). وفي العهد الجديد نرى أَنَّ الله يعمل كُلَّ شيءٍ وفقًا لمشيئتهِ (أَف1: 11) وأَنَّه حَتَّم بالأَوقات المُعيّنة حدود مسكنهم (أَعْ17: 26).
- قال چورچ لاد: «الله هو المُلِكُ، ويعمل في التَّاريخ، لكي يُحضرَ التَّاريخ إِلى هدفهِ المُباشر»، فتحكّم الله في التَّاريخ لا يعني أَنَّهُ يُحرّك البشر كقطعِ شطرنج، لكنَّه يعني أَنَّ الله يُسيطر حتَّى على الأَعمال الشِّرّيرة ويستخدمها لقصدهِ، فنجد في قصّةِ يُوسُف خيرَ دليلٍ على ذلك «أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيرًا». (تك50: 20)، والعهد الجديد يُؤكّد سيادة الله على التّاريخ، وذلك من خلال قصّة الصّلب «لِأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلَاطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمِ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ، لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ.» (أَعْ4: 26، 27) ولأَنَّ الله مسيطرٌ على التّاريخ، تُصبح أَعمال التَّاريخ في خدمة قصدهِ الفدائيّ. فسقوط السَّامرة إِلى أَشُّور في القرن الثّامن قَبْل الميلاد كانت تحت سيطرةِ الله، حيث قال: إِنَّ أَشُّور هِيَ قَضِيبُ غَضَبِي (إِش10: 5)، وبعد أَنْ اسْتَخْدَمَ اللهُ أَشُّورَ لإِكمالِ قصدهِ قام بتدميرها (إِش10: 12، 24- 27) وبهذا نستطيع أَنْ نقول إِنَّ كُلَّ التّاريخ هو تحت سيادةِ الله ويتحرّك اتجاه قصدهِ. فكُلُّ الأُممِ وكُلّ الأَفرادِ هُمْ تحت سيادةِ الله، فقيام أُمُم وسقوطها يكون وفقًا لإِرادة الله، ونفس الشّيء ينطبق على الأَفراد، ولأَنَّ الله سيِّد التّاريخ، أَصبح للتّاريخ معنّى وهدفًا.
3- السِّمة الثّالثة: المسيحُ هو مركزُ التّاريخ:
مجيءُ المسيح يُشكّل السِّمة التّاريخيّة للمسيحيّة، وهي سِمَةٌ فريدةٌ من نوعها، بل سِمَةٌ جوهريّة للتّاريخ عبّر الكاتب الرّوسيّ (Nicolas Berdyaer) عنها قائلًا: «إِنَّ التّفسير الرّئيسيّ للتّاريخ، هو أَنَّ المسيح مركزُ التّاريخ».
- قال (Oscar Cullmann): «إِنَّ كُلَّ تواريخنا وشهورنا وسنواتنا تبدأُ وتنتهي من ميلادِ المسيح». ويستمرّ Cullmann قائلًا: «إِنَّ هُناك اختلاف أَوَّلي بَيْنَ مفهوم العهد القديم للتّاريخ ومفهومِ العهد الجديد للتّاريخ. ففي العهد القديم يتحرّك التّاريخ من المُستقبل إِلى الماضي، وفي العهد الجديد يبدأُ التّاريخ بمجيءِ المسيح، ويبلُغ التّاريخ ذروتهُ بمجيءِ المسيح الثّاني (Parouisa). مجيء المسيحِ حدثٌ هامٌّ في التّاريخ الإِنسانيّ، ولهُ تأثيرات واضحةٌ على كُلِّ أَحداث التّاريخ.
قال (Cullmann): نُطْلِقُ على المجيء الأَوَّل للمسيح (D-Day) وعلى المجيءِ الثّاني للمسيح (V-Day) وفيهِ يُخْضِعُ كُلَّ أَعدائهِ تحت قدميهِ، ومؤمنو العهد الجديد يعيشون بين (D-Day) و (V-Day) ويمكن تمثيلها كالأَتِي:-
   D-Day                  V-Day
حيــاة الكنيســـة
مجيءُ المسيح ليس فقط هو النّقطة المركزيّة للتاريخ، بل أَنَّ كُلّ المُستقبل قد تَقرّر.
- والكتاب المُقدّس ينبّر على حقيقة أَنَّ التّاريخ الإِنسانيّ سَيُطهر بالمسيح يسوع، فالتّاريخ هو المجال الَّذي يَظْهَرُ فيهِ فداء الله، والذي ينتصر فيهِ اللهُ على إِنسان الخطيّة بالمسيح، وفي نفس الوقت يُصالح العالَم لنفسهِ (2كو9: 19)، فَمِن خلال المسيح ينتصر الله على الموتِ (1كُو15: 21، 22)، وينتصر الله على الشّيطان (يو12: 13)، حيث جَرَّدَ كُلّ الرِّياسات (كو2: 15). ومركزيّة المسيح في التّاريخ صُوّرت بطريقةٍ رمزيّة في الإِصحاح الخامس من سِفْر الرُّؤْيا، فهو المُسْتَحِقُّ أَنْ يَأْخُذَ السِّفْرَ وَيَفْتَح خُتُومَهُ، حَيْثُ فَتْح الْخُتوم لا يعني تفسير التّاريخ فقط، بل إِنجاز التَّاريخ (رُؤْ5: 9).
4- السِّمةُ الرَّابعة: العهد الجديد بَدَأَ:
يُدرك المُؤمن في العهد الجديد أَنَّهُ يعيش في الأَيَّام الأَخيرة والسَّاعةِ الأَخيرة. قال المسيح عن يُوحنّا المعمدان:-
«لأِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ نَبِيٌّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ وَلَكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْهُ». (لو7: 28).
-كَلَامُ المسيح عن المعمدان لهُ أَكثر من معنى:
- المعنى الأَوَّل: إِنَّ كَلام يوحنّا ينتمي إِلى العصر القديم.
- المعنى الثَّاني: إِنَّ أُولئك الّذين ينتمون لملكوت الله هُم في عصرٍ جديدٍ، وكُلّ كُتَّابِ العهد الجديد أَكّدوا على هذه الحقيقة الكتابيّة «الَّذِي أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ». (كُو1: 13). ويُفْهَمُ من قول بُولُس أَنَّه أَنقذنا من عُبوديّة الخطيّة المرتبطة بالعصر القديم، «الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا». (غَل1: 4).
«وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ- وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ». (أَف2: 5، 6). ومعنى قول بُولُس أَنَّ المُؤمن يعيش بالإِيمان حياةً جديدةً في عصرٍ جديدٍ.
في (رُو12: 2) «لَا تُشَاكِلُوا هَذَا الدَّهرَ (Age)، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ».
- نَجِدُ في مُعظم رسائل بُولُس أَنَّه يُنبّر على عدّة مُتناقضات مِثل: الجسد والرّوح، الإِنسان العتيق والإِنسان الجديد، مِثْلُ هذه الإِشارات يُفْهَمُ منها أَنَّ الرّوح والإِنسان الجديد هما إِشارة إِلى العصر الجديد. حيث حُرِّيَّة الإِنسان من العُبوديّة والخطيّة، أَمَّا الجسدُ والإِنسان العتيق فَهُما إِشارة إِلى العصر القديم حيث الخطيّة والعُبوديّة، فالمُؤمن في العهد الجديد تحوّل من الخطيّة إلى عصرٍ جديدٍ.
5- السِّمة الخامسة: التّاريخ يتّجه لهدفٍ، وهو سماءٌ جديدةٌ وأَرضٌ جديدةٌ
لقد أَسّس الله من خلال المسيح عصرًا جديدًا، لكن الاكتمال النِّهائيّ لهذا العصر لم يأْتِ بَعْد، ولهذا يرى الكتاب المُقدّس أَنّ التّاريخ يسير نحو هدفٍ مُعيّن. ففكرةُ التّاريخ يتّجه نحو هدفٍ أَكّدها كُلُّ كُتَّابِ الكتاب المقدّس، فقال(Karl Lowith): «إِنَّ الزّمن النِّهائيّ الأَنقى للهدف النِّهائيّ هو أُخرويّات المُستقبل، والمُستقبل موجودٌ لنا فقط بالتّوقّع والرّجاء، والهدف السّامي يُركّز على المُستقبل المُتوقّع، ومِثْلُ هذا التّوقّع كان موجودًا في حياة الفلاسفة اليُونانيّين».
وكُتّاب العهد الجديد أَكّدوا على حقيقة أَنَّ التّاريخ يتحرّك نحو هدفٍ، وهو اكتمال التّاريخ، وهذا الاكتمال النِّهائيّ يشمل أَحداث المجيءِ الثّاني، والقيامة العامّة، ويوم الدَّينُونَة، والسَّماء الجديدة، والأَرض الجديدة، وهكذا تكون السَّماء الجديدة، والأَرض الجديدة هُما ذروة التاريخ (Culmination of history) ولكي نَفْهَمَ معنى التّاريخ ينبغي علينا أَنْ نَفْهَم فداء الله من خلال بُعْدٍ كونيّ، فتَعبيرُ السَّماء الجديدة، والأَرض الجديدة هو وصفٌ كتابيّ صحيحٌ، فهذا الفداء هو تجديدُ الكون. حيث أَنَّ سقوط الإنسان لم يُؤثّرْ عليهِ فقط بل على الخليقةِ (تَكْ3: 17، 18؛ رُو8: 19).
- قال (Herman Ridderbos): «الفداء الَّذي أَتَّخذهُ المسيحُ لا يتضمّن فداء الإِنسان فقط، لكنَّه مُرتبط بالسَّماءِ والأَرضِ والملائكة، وأَنَّ الهدف هو عودة الخليقة بِأَنْ تكون صحيحةً وتحت سيادةِ وسُلطانِ الله... وفكرة فداء الخليقة نجدها بوضوحٍ في (أَف1: 9،10؛ كو1: 19، 20؛ رُو8: 21).
كما رأَينا السِّمات الأَساسيّة للتّفسير المسيحيّ للتّاريخ، دعونا الآن أَنْ نأْخُذَ في اعتبارنا بعض التّطبيقات لهذا التّفسير المسيحيّ للتّاريخ، لكي نَفْهَمَ العالَم الّذي نحن نعيشُ فيهِ.
* التَّطبيق الأَوَّل: النَّشاط المُميّز الآن هو الإِرساليّات:
لقد بدأ المسيح الملكوت وأَعطى لنا إِرساليّة عُظْمَى، ولهذا فأَنَّ المُهمّة الأَساسيّة للكنيسة هي أَنْ تُقدّم للخليقة كُلّها رسالةَ الإِنجيل، فقد قال المسيح: «وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هَذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ الْأُمَمِ.» فانتشار الملكوت يُحدّد مجيء المسيح. «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ.» (1بُطْ2: 9)؛ ولهذا نقول إِنَّ النَّشاط الْمُرْسَلِيّ وَالْكِرَازِيّ للكنيسة هُو السِّمة الغالبة بين المجيء الأَوَّل والثَّاني.
- عَبَّر (Oscar Cullman) قائلًا: «إِنَّ الْعَمَل الْمُرْسَلِيّ للكنيسة الَّذي هو الوعظ بالإِنجيل قد أُعطى في الفترة ما بين القيامة والمجيء الثَّاني».
- تحدّث (Herman Ridderbos) في كتابهِ (Christ the meaning of history) لَابُدّ أَنْ يكون لدينا فَهْمٌ جديدٌ للإِنسان والطّبيعة حتّى يُمكننا أَنْ نُقدّم وقائعَ جديدةً للوعظ الْكِرَازِيّ، ولابُدّ أَنْ يكون لدينا إِدراكٌ جيّدٌ للعالَمِ كوحدةٍ واحدةٍ. قال إِنَّ الإِرساليّات المسيحيّة هي بُرهانٌ على قُوّةِ القيامة، فإِذا كانت حقيقةُ الأَلم واقعيّةً كذلك قُوّة قيامتهِ. وهذه القُوّة ليست فقط في الأَفراد، ولكن في الكنيسة كجماعةٍ، وأَنَّ العلامة الأُولى والرّئيسيّة للعمل الْمُرْسَلِيّ وَالْكِرَازِيّ ما قالهُ المسيح في (مَتّ24: 14).
* التَّطبيق الثَّاني: نعيش في توترٍ مُستمرّ بين ما هو كائن وبين ما لَمْ يَأْتِ بَعْد:
المُؤمن في العهد الجديد يعيش في الأَيَّام الأَخيرة، لكنّ اليوم الأخير لم يَأْتِ بعد، فهو في العهد الجديد، لكن نهاية العصر الجديد لَمْ تَأْتِ بعد. فهو يتمتّع بِقُوّات الدَّهرِ الآتية، لكنَّه لم يتحرّر بعد من الخطيّة، والأَلم، والموت، وهو في ذات الوقتِ لديه باكورة الروح. هذا التّوتر الكائن يُعطي للحياة الحاضرة تَفَرُّدًا. فالمسيحيّ اليوم يتمتّع بالبركة الَّتي لم يَكُن يعرفها مؤمنو العهد القديم. فهو لديه فَهْم لخطّة الله الفدائيّة أَكثر من مؤمنو العهد القديم. لكن لم يَأْتِ بعد المؤمن إِلى نهاية الطَّريق. فهو يُدركُ أَنَّه ابن الله، وأَنَّه لا يستطيع أَحد أَن ينزعهُ مِنَ المسيح، وهُو يُدرك أَنَّه كذلك لم يَصِلْ إِلى الكمال؛ ولذا فهو مطالبٌ بأَنْ يعترف بخطيّتهِ باستمرارٍ، ويُدرك أَنَّ المسيح قد أَعْطَاهُ نُصرَتَه.
* التَّطبيق الثَّالث:يُوجد خَطَّان للنِّمُو في التَّاريخ:
إِذَا كان هناك توترٌ بين ما هو موجود وبين ما لم يَأْتِ بعد، يشمل هذا نمو وامتداد لملكوت الله حتّى مجيء المسيح، ونرى أَيضًا نمو وامتداد «ملكوت الشَّرِّ»، وهذا ما أَكّدهُ الرَّبُّ يسوع في مَثَلِ الزَّوانِ والحنطة (مَتَّ13: 24- 30، 36- 43)، فقد عَلَّم السَّيّد المسيح بِأَنَّ الزَّوَان هُمْ أَبناءُ الشَّرِّ، وسوف يستمرّون في غَيّهم حتَّى وقت الحصاد حيث يُفْصَلُون.... بكلماتٍ أُخرى نقول إِنَّ مملكة الشَّيطان ستكون موجودةً وستنمو. كما تنمو مملكة الله حتَّى وقت الدَّينُونَة.
ونجد (Berkhof) يربط الخطّين المُتوازيّين بصليب وقيامة المسيح «الخطّان قد أُعْلِانَا في الصّليب والقيامة، خطّ تمرّد وثورة الإِنسان، وخطّ قُوّة وسيادة الله، وهذانِ الخطّان سيستمرّان ويتعمّقانِ ويقويانِ حتَّى يَصِلَا إِلى نُقطة الذِّروة والأَزمة»، فهو يَعلّقُ على رايةٍ لكي نَفْهَمَ التَّاريخ بِجُملتهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَابُدَّ أَنْ نفهم هذين الخطّين. وقال (Berkhof) «الصَّليب والقيامة كلاهما معًا في التَّاريخ المُقدّس. ولا يجوز أَن نفصل أَو نعزل الصّليب والقيامة عن بعضهم، فإِذا اعتبرنا أَنَّ القيامة هي العُنصر الفعّال فقط في الكنيسة دُون الصَّليب، فهذا الأَمر مرفوض».
التَّاريخ لا يُعْلِنُ فقط انتصارَ الخيرِ على الشَّرِّ، ولا الانتصار الكامل للشَّرِّ على الخير. فالشَّرُّ والخير جنبًا إِلى جنبٍ. هذا الصراع بين الاثنين يستمرّ الآن لكن بمجيء المسيح يَمْتَلِكُ الخيرُ نُصرةً كاملةً ونِهائيّةً، ويَخْسر العدوّ المعركةَ... والسّؤال هنا هل نستطيع أَنْ نقول إِنَّ التَّاريخ يكشف عن تقدُّمٍ حقيقيّ؟.
بلا شكّ إِنَّ أَيَّ تقدّمٍ لابُدَّ أَنْ يُصاحبهُ أَثار عكسيّة، فمثلًا اختراع السَّيارات أَدَّى إِلى تلوث الهواء، وازدياد معدل الحوادث على الطُّرق السَّريعة؛ اختراع آله الطِّباعة أَدَّى إلى ظهور كُتب ومجلّات جنسيّة (Pornographic)؛ واختراع التِّليفزيون أَدّى إِلى ظهور الكثير من البرامج الَّتي بها عنف وإِلى ازدياد جرائم العنف؛ كذلك انشطار الذَّرة (Splitting of the atom) أَدَّى إِلى حدثٍ مُرّوعٍ في ناجازاكي وهيروشيما. قال أَحدهم: «مع كُلِّ خُطوةٍ إِلَى الْأَمَامِ يَبْدُو أَنَّ الجنس البشريّ يَرْجِعُ خُطوةً إِلَى الخلفِ.» فالتَّقَدُّمِية مقرونةٌ بالرّجوعِ (Retrogression).
- ربط (Nicolas Berdyaer) مفهوم التَّقدّم بنوعٍ من التَّفاؤل المتوقّع للحياة في القرن التَّاسع عشر مُوضّحًا أَنَّ فكرة التَّقدّم هي نوعٌ من اليوتبيا المثاليَّة، حيث أَنَّ إِنسان القرن العشرين لم يَعُد يقبل هذا المبدأ، حيث ذكر: «إِذَا نظرنا إِلى تاريخ البشر والأُمم لا نجد أَيَّ تقدُّمٍ حقيقيّ»..
- إِذا كانت نظرةُ (Berdyaer) نظرةً مُتشائمةً للتَّاريخ، لكن نظرة (Hendrikus Berkhof) أَكثر تَفاؤلًا (Optimistic)  فهو لا ينكر أَنَّهُ بجوار امتداد ملكوت الله توجد قُوّة مُضادة للكنيسة تنمو أَيضًا، لكنّه يرى أَنَّ نمو هذه القُوى هي مُجرد ظلّ لنمو ملكوت الله. يُؤكّد (Berkhof) عَلى أَنَّهُ عندما ننظر إِلى التَّاريخ بعين الإِيمان، نرى تقدّمًا ونجاحًا في التَّاريخ، فَكُلّ القُوى والحركات تحت سيطرة المسيح بل يستخدمها لقصدهِ.
* يُمكننا أَنْ نُلخّص ما سبق: حَيْثُ أَنَّ التَّاريخ يشمل مملكة الله، ومملكة الشَّرّ، وهاتين المملكتين يسيران جنبًا إِلى جنبٍ، وأَنَّ النُّصرة النِّهائيّة هي لملكوتِ الله؛ لِذَا فَمِن خلال ملكوت الله يُمكننا أَنْ نُدْرِكَ المعنى الحقيقيّ للتَّاريخ.
* التَّطبيق الرَّابع:كُلّ أَحكامنا على التَّاريخ هي وقتيّة ومشروطة، وهذا تطبيق آخر يُنبّه على غُموض التَّاريخ.
نَحْنُ نُدْرِكُ أَنَّه في الدَّينُونَة الأخيرة سوف ينفصل الخير عن الشَّرِّ انفصالًا كاملًا ونهائيًّا. ولحين مجيء هذا الوقت عَلَّم المسيح بِأَنَّ الزَّوان والحِنْطَة ينميانِ معًا. وهذا يتضمّن أَنَّ كُلّ أَحكامنا على التَّاريخ هي أَحكام تجريبيّة ومُؤقّتة، ولا نستطيع أَن يكون لدينا التَّأكُّد المُطلق بأَنَّ هذا الحدث التَّاريخيّ الخاصّ هو خيرٌ أَمْ شَرٌّ، سائدٌ عليه الخير أَم سائدٌ عليه الشَّرّ. قال أَحدُ الكُتَّاب «حتَّى مجيء نهاية الأَشياء ليس كُلّ الظَّواهر التَّاريخيّة هي شَرٌّ مُطلق أَو خيرٌ مٌطلق». نَحْنُ نَمِيلُ غالبًا بأَنْ نرى كُلَّ حركاتِ التَّاريخ من مُصطلحات أَبيض وأسود: «الكنيسة هي خيرٌ والعالَم هو الشَّرّ». في الواقع توجد أَشياءٌ أَكثر تعقيدًا من هذا المبدأ. فقد نجد الشَّرَّ في الكنيسة، وقد نرى الخيرَ في العالَمِ.
- قال: (Abraham kvyper) «العالَمُ أَحيانًا يكون أَفضلَ مِمَّا نَحْنُ نتوقّع، والكنيسة أَحيانًا تكون أَسوأَ مِمَّا نَحْنُ نتوقّع. فالحوادث التَّاريخيَّة لا يجب أَنْ ننظرَ إِليها فقط من خِلَالِ مُصطلح أبيض وأسود، لكنَّ الأَفضل أَنْ ننظر إليها من خلال ظِلَالٍ رماديّة.»
* التَّطبيق الخامس: نظرة المسيحيّ للتَّاريخ نظرةٌ مُتفائلة:
المسيحيّ يُؤمن أَنَّ الله يسيطر على التَّاريخ، وأَنَّ المسيح حقّق انتصارًا في الصَّليب على كُلِّ قُوى الشَّرِّ، وهذا يعني أَنَّ المُحصلة النِّهائيّة للأَشياء وللأَحداث ستكون للخير، وأَن قصد الله الفدائيّ قد تحقّق. مع ذلك نجد المسيحيّين أَحيانًا ينظرون للواقع الحالي بنظرةٍ مُتشائِمَةٍ (Pessimistic) فَهُمْ يرُكّزون على الشَّرِّ الموجود في العالَمِ أَكثر من تركيزهم على سيادة المسيح.
+ تحدّث «هندركس بيركهوف» عن المسيحيّ وثقافة التَّشاؤم «عددٌ كبيرٌ من المسيحيّين لا يتوقّعون أَنْ يروا أَيَّ علاماتٍ إِيجابيّة لمُلْكِ وسيادة المسيح في العالَمِ، وأَنَّ العالَمَ أَصبح سيئًا، وأَنَّ الجنس البشريّ يسير في اتِّجاه ضدّ المسيح. ومعظم المسيحيّين ليس لديهم أَي وعي بحضور مَلَكُوت الله في العالَمِ. إِنَّ الوضع العامّ في كنائسنا هو نوعٌ من التَّقَويّة السَّيئة أَو السَّلبيّة، حيث تقتصر قُوّة وفاعليّة المسيح بالنِّسبَةِ للمؤمن في علاقتهِ الشَّخصيَّة معهُ، حَيْثُ لا ترَى الكنيسة أَيَّ اتِّصالٍ بين المسيح وأَحداث العالَم، أَو بين المسيح والحياة اليوميَّة، وهذا التَّوجُّه الفكريّ رُبَّما يقود الكنيسة لِأَنْ لا ترى علاماتِ حضور المسيح في واقعنا. ويُعبِّرون عن هذا التَّوجُّه قَائلين: إِنَّنا على حافةِ النِّهاية، وأَنَّ الإِنسانيَّة تسيرُ من سيئٍ إِلى أَسوأ، وأَنَّ نهاية الزَّمان قد اقتربَت»، ويعتقدون أَنَّ ثقافة التَّشاؤم تتّفق مع الإِيمان المسيحيّ...
+ وإِنْ كان «بيركهوف» يُنْكِرُ هذه الثَّقافة التَّشاؤميّة، فهو يُدركُ أَنَّ المسيحيّ لديه الإِدراك الكافي على وجود الشَّرِّ في العالَم، ووجود الخطيَّة في قلب البشر، لكنَّهُ أَيضًا يُدرك ويُؤمن بأَنَّ الله على كُرسيّهِ، ويعمل على تحقيق قصدهِ في التَّاريخ؛ ولهذا ينبغي على كُلِّ مسيحيّ أَنْ يكون لديه الإِيمان الثَّابت أَنَّ كُلَّ الأَشياءِ تعمل معًا للخير، وينبغي أَنْ يُؤمن بِأَنَّ التَّاريخ يتحرّك نحو هدف الله حتَّى لو كان سائرًا في عكس إِرادة الله أَحيانًا، ونجد أَنَّ بيركهوف يقول في هذا: «نَحْنُ نُؤمِنُ أَنَّ الله يستمرّ في عملِهِ المُنتصر، وهذا الإِيمان مبنيٌّ على قيامةِ المسيح من بين الأَموات».